عليكِ أن تصطنعي الفرح
تقولها أمي و هي تنظر إلى نفسها في المرآة..
-و إذا لم أفعل ذلك ؟
تلتفت ناحيتيّ .. تصوب نظراتها إلى عينيّ المكتنزتين بدموع لم تجف..
- ماذا تريدين أن تقول النساء عنا!! ابتهجي ..لن يكلفكِ ذلك شيئاً..
أطأطئ رأسي ألمح ذلك الكفن الذي ارتديته و بمشاعر مستسلمة .. و عبثت المزينة بوجهي فلم أقاوم ..و جعلت من شعري الحريري شكلا مقرفاً..فلم أفعل شيئا مما كنت أفعله في الأيام الماضية..فقد سكنت قصر الصمت..فما عادت الثورة و الصراخ و البكاء تجدي..
يشدني صوت أمي قائلة:
-انظر إليها يعلوها الحزن..لكأنها في مأتم!!
أتنهد بسكون..و أي مأتم إلا هذا القدر المخبوء الذي تقودوني إليه..أي عزاء سيكون لروحي التي ستدفن الليلة و للأبد..تمنيت أن تكوني إلى جانبي..لكني شعرت بضعفك في موافقة أبي على كل كلمة قالها..أنا شديدة الإيقان أن كلمتك لن يكون لها من نتيجة..لأن أمري قد حُسِم من قبل ..فكبرياء العائلة لابد أن يبقى شامخا و لا يدنسه شاب وضيع ..لا يحلم إلا بكتب يقرأها ..وحب يسكن إليه.. و حياة بسيطة هانئة..مشاعر شديدة الصدق ..و ليست مزيفة ..
الحزن لم يعد له عندي معنى الآن .. لأن تباشير الموت أرحم بي مما أنا فيه..
أستيقظ من تفكيري ..على صوت أبي..
- أين المزينة ألا تعرف أن ترسم على شفتي هذه الغبية ابتسامة!!
مسكين يا أبي تعتقد بأن الفرح يمكن شراؤه بالمال..و السعادة يمكن شراؤها أيضا..كل شيء أمامك تعتقد أن بإمكانك شراؤه ..لأن المال هو المنقذ الوحيد لك..ليت المال يجدي في طرد شبح البؤس الذي سيأتي الآن..أو ليت الموت .... أعود من جديد لرشدي أتمتمرباه أسبغ عليّ الصبر .. ..أشعر بالجنون يقترب من حافة عقلي الحزين..
- إياك أن ترتكبي حماقة!!!
كل الحماقات تهون إلى جوار الحماقة الكبرى التي ستحدث لي الآن..مازلت أمتلك القليل من الاحتمال..لأرى القبر المسن الممتلئ بالمال .. و الذي سيلتهمني..يتراءى لي من بعيد ..كل علامات الفرح تملأ مساحات أوجههم..بينما قلبي يموت ..
يقترب أشعر بالموت يقترب .. و القبر كذلك يقترب ..و نبضات قلبي تشتد..و رعشة تنتشر في جسدي المنهك..
تتقدم الخطوات نحوي و ظلام مؤلم ينتشر في أجوائي.. و زغاريد النساء ترتفع..و القبر يقترب.. و قهقهته ترتفع .. و صمت يحف أنفاسي ..لأقع أرضا .. فقد يحتويني القبر الأبدي..
كتبها ريم محمد في 07:31 مساءً ::
جميلة هذه القصة...فيها اسى خفي...كمثل اغلب ما كتبت هنا من قصص...
إن كان هذا نورك الذي أعرفه فمرحبا به دوما..
..
ففبه أُسر..
.
" الوادى المقدس "
على المرء ألا يقرأ إلا تلك الكتب التى تعضه وتوخزه . إذا كان الكتاب الذى نقرأه لا يوقظنا بخبطه على جمجمتنا فلماذا نقرأ إذن ؟ على الكتاب أن يكون كالفأس التى تهشم البحر المتجمد فى داخلنا ..
" فرانز كافكا " كاتب تشيكى
من هذا المنطلق أهديكم كتاب " الوادي المقدس "
ليس هناك واد بعينه يقصده الناس ، إنما هناك واد مقدس لكل شخص .. قد يكون بقعة من الأرض .. أو قطعة من الزمن .. أو حالة نفسية تسمو فيها فوق طبيعتك وطبيعة الأشياء ، فوق ضرورات الحياة بل فوق حدود العقل ..
وقد يكون حالة إنسانية يمكن أن يشترك فيها الناس جميعاً ، ذلك هو " الوادى المقدس " حيث آمالك كلها خير ، وأحلامك كلها جميلة ، لا يقع الشر منك ولا يقع عليك ، حيث تكون الطبيعة وجسمك وعقلك ونفسك متوافقة توافقاً موسيقياً تكتمل به السعادة الإنسانية ..
الوادى المقدس هو مملكة السماء ،جنة الأرض ، أمور ثابتة فى النفس الإنسانية أصولها الإيمان والخير والحكمة ، وميادينها الدين والحب والعلم .
ولكن هل بلوغ هذه الغاية سهل ، سهل إذا أراد الإنسان ، أما إذا ضعف وترك نفسه لما حوله فسيفقد الراحة النفسية والبدنية ففى النظام القائم بين الناس مرتفعات وسهول ووديان ، وفوق المرتفعات أقزام هم دونك قدراً ، وأقل منك علماً وحكمة وخلقاً ، لكنهم يتحكمون فى أمور حياتك بقوة أرتفاعهم عنك ، فهم أعلى منك ، وإن لم يكونوا أطول قامة ولا أعظم نفساً ، وفى الوديان قوم يرونك ، فهم بمنزلة أهل المرتفعات منك " .. أما فى الوادى المقدس ، فلا يتفاضل الناس إلا بقدر ما فيهم من خير ، فيسمو المظلوم فوق الظالم .. والظالم لا يستطيع أن يستمتع بأمن الوادى المقدس ما دام ظالماً ..
الوادى المقدس إذن حالة يمكن أن يبلغها الإنسان فيستريح بها على شقاء الحياة ، لكن حتى يبلغها عليه ان يتطهر ، بالرياضة النفسية على أجتناب الخطأ والخطايا ..
والتطهر ليس حالة ثانوية فى الإنسان بل هو الأصل ، وهو طبيعة فى الإنسان وعنوان إنسانيته ، على أن هذا لا يعنى أن يشعر الإنسان باليأس إذا لم يستطع أن يتغلب على كل ما فيه من ضعف أمام نفسه أو الحياة من حوله
فالخير يقاس بما تبذله من جهد فى هذا السبيل ، وإن لم تبلغ الغاية التى تطمح إليها ..
نحن هنا إزاء أعترافات بتفاوت القدرة البشرية ، وأفق أوسع لفهم الإنسان ، وليس أختزاله فى شىء واحد ..
إن الشر فى النفس البشرية ليس من طبائعها .. فما هو رأيك فى الذين يعتبرون الإنسان شراً كله معبأ بالغرائز الجنسية ، فملأوا حياتنا بالتحريم كأنه ليس لنا من عمل إلا إرتكاب الخطايا .. إن الطهر موجود ..
إن الطهر لا يفسده بعض الشر حين تعمله عرضاً أو مرغماً ، فكما يكون من الحجارة ما هو ضعيف أو معوج ويكون البناء قوياً كذلك قد ترتكب فى حال الغضب أو الشدة ما لا ترضى عنه نفسك ثم تكون حياتك فى آخر الأمر جميلة طيبة إذا كان قوامها التطهر .. ثم يصل الغاية فى معنى الحياة الصادقة بأنها هى التى تقوم على السلم ..
السلم بينك وبين نفسك ويحققه الإيمان ،
بينك وبين الأقربين ويحققه الحب ،
بينك وبين العالمين ويحققه الخير ،
والتسامح يغطى الجميع ..
والتسامح فيه حق التمعن والأختلاف وحرية التعبير ..
فلا يضير الدين شيئاً أن يترك للجمال أن يعمل فى النفس عمله الطبيعي وهو السرور الذى لا تستقيم النفوس حقاً إذا حرمته ؟
ثم لا يضير الدين شيئاً أن يترك للعقل تحقيق المعرفة وهى ميدانه الطبيعي ..
والمعرفة لا تغنى عن الجمال فى تحقيق السرور ،
ولا تغنى عن الدين فى تحقيق الهداية ،
وحب الجمال لا يغنى بدوره عن الدين فى هدايته للناس ..
أن الوادى المقدس ليس كتاباً للنفس المطمئنة فقط . لكنه كتاب للأمم والشعوب ، إنه كتاب هداية لكل الناس على أختلاف الملل ، بقدر ما نرى ..
أيقظني السؤال : لماذا حقاً لم يصل كثيرون من الذين يملأون حياتنا بالغضب إلى ما وصل إليه الدكتور محمد كامل حسين ؟ ليست لهم نفس نفسه وواديها المقدس ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ربما ؟؟؟؟؟؟؟ رحم الله مفكر مصر الكبير محمد كامل حسين ..
عزيزي .. عزيزتي
آن الآوان للبحث عن الوادى المقدس فى حياتنا ؟؟
والى كتاب جديد ..
فتحى المزين
مع حبي وتقديري

